الانتخابات الرئاسية في غينيا وعودة الحياة المدنية 2026

إبراهيم كيتا 20 يناير 2026

باحث في المركز الافريقي للأبحاث (ACRESS)

الانتخابات الرئاسية في غينيا وعودة الحياة المدنية 2026

كتب: إبراهيم كيتا - غينيا 

باحث بالمركز الأفريقي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية (أكريس)

شهد يوم 18 يناير 2026 تنصيب الجنرال مامادي دومبيا رئيسا رسميا لغينيا وعودة الحكم المدني مرة أخرى بعد أن ظلت البلاد تحت حكم المجلس العسكري ما يقرب من أربع سنوات. فقد شكلت الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 28 ديسمبر 2025 في البلاد مرحلة محورية في مسار إنهاء الفترة الانتقالية التي أعقبت الانقلاب العسكري الذي وقع في 5 سبتمبر 2021، وأطاح بالرئيس السابق ألفا كوندي بعد أكثر من عقد في الحكم. 

يأتي هذا الاستحقاق في سياق وطني يشهد توقعات شعبية مرتفعة، إلى جانب تساؤلات مستمرة حول مصداقية العملية الانتخابية وتوازن القوى السياسية. 

1- السياق السياسي والتاريخي

كان الانقلاب العسكري، في 5 سبتمبر 2021، نقطة تحول حاسمة، حيث تم تعليق الدستور وإقامة فترة انتقالية بقيادة الجنرال مامادي دومبويا. وتعالت المطالبات من القوى الداخلية والسياسيين وأحزاب المعارضة والمنظمات الإقليمية والدولية بأهمية العودة إلى الحكم المدني وأصبح هذا الأمر محورياً في النقاش السياسي الغيني. وبعد عدة تأجيلات، أجري استفتاء دستوري في 21 سبتمبر 2025، أسفر عن اعتماد دستور جديد بأغلبية واسعة من الناخبين، مما مهد الطريق رسمياً لإجراء الانتخابات الرئاسية.

2- الإطار القانوني والدستوري للانتخابات الرئاسية:

تم اعتماد الدستور الجديد في سبتمبر 2025، ويضم 199 مادة، وذلك عقب استفتاء وضع عدد من الشروط الجديدة للترشح للانتخابات، فقد غير بشكل جذري قواعد اللعبة السياسية، حيث ألغى النصوص التي كانت تمنع أعضاء الجيش من الترشح، وأتاح الترشح للمستقلين ، كما رفع مدة الولاية الرئاسية من خمس إلى سبع سنوات، وأعاد تنظيم بعض مؤسسات الدولة. وأقر مجلس شيوخ وهيئة قضائية عليا، كما فرض تمثيل النساء بنسبة لا تقل عن 30% في المناصب العليا والانتخابية، وأن يُنتخب الرئيس في جولتين بنظام الأغلبية. وفيما يتعلق بشروط المرشح المتقدم لخوض الانتخابات فقد أشترط الدستور أن يكون المرشح غينياً، مقيمًا في غينيا، يتمتع بحقوقه المدنية والسياسية، ولائقاً طبياً، وأن تتراوح أعمارالمرشحين بين 44 و80 سنة، مع تقديم بيان حول الممتلكات لكل مرشح. ويودع المرشحون مبلغاً قدره 100,000 دولار أمريكي، ويمكن للمرشح المستقل الحصول عليه عبر دعم المنتخبين المحليين، وتسترد هذه المبالغ المالية خلال 70 يوماً بعد تقديم الحسابات المالية وتحقق الشروط.

وبالرغم مما أثارته هذه الإصلاحات والمواد الدستورية الجديدة من نقاشات حادة داخل الأوساط السياسية والمجتمع المدني في غينيا. فقد اعلنت اللجنة العامة للانتخابات عن إجراء الانتخابات الرئاسية في 21 ديسمبر 2025.

3- تنظيم الانتخابات الرئاسية والعودة للحياة الدستورية

تم تحديد يوم 28 ديسمبر 2025 موعداً للانتخابات الرئاسية بموجب مرسوم رسمي، مسجلاً نهاية الفترة الانتقالية العسكرية. وقد قدمت السلطات هذا الموعد كنقطة نهائية لمسار إعادة التنظيم المؤسسي.
وتولت اللجنة العامة للانتخابات (la Direction générale des élections (DGE)) الإشراف الفني على العملية الانتخابية، بما في ذلك إدارة تسجيل الناخبين وتنظيم مكاتب الاقتراع والإشراف العام على سير الانتخابات. كما قدمت وزارة الإدارة الإقليمية واللامركزية (Le ministère de l’Administration du Territoire et de la Décentralisation (MATD)) الدعم الإداري، لا سيما في تحديث السجل الانتخابي.

4- تحديث السجل الانتخابي:

وفقا لما أعلنته اللجنة العامة للانتخابات بعد التحديث فأن السجل النهائي للناخبين يضم 3,149,254 رجلاً، و3,493,252 امرأة، و125,271 ناخباً من المقيمين في الخارج. وتستند هذه الأرقام إلى تحديث السجل البيومتري المعتمد من الإدارة الإقليمية، حيث بلغت نسبة النساء 51.8% مقابل 48.2% للرجال ([1]).

جغرافياً، تركزت أغلب الأصوات في المناطق الحضرية، خصوصاً العاصمة: كوناكري، مما عزز من وزنها السياسي والإعلامي خلال الحملة الانتخابية. عدد اللجان الانتخابية وتوزيعها.

5-  الأحزاب السياسية والمرشحون في الانتخابات الرئاسية الغينية:

تاريخياً، تتميز غينيا بتعددية حزبية. ومع ذلك، أدى تعليق أنشطة خمسة وأربعين (45) حزباً سياسياً في عام 2024 ، بسبب عدم الامتثال للإجراءات الإدارية، إلى تقليص مشاركة عدة قوى سياسية تقليدية في الانتخابات. فقد صادقت المحكمة العليا على تسع ترشيحات فقط من بين 51 مرشحاً تقدموا باوراقهم من أجل المشاركة في سباق الانتخابات الرئاسية التي جرت في ديسمبر 2025، من بينها الجنرال مامادي دومبويا، رئيس الفترة الانتقالية والمرشح الأوفر حظاً، بالاضافة إلى عدد من مرشحي المعارضة  والمرشحين المستقلين، بينهم امرأة واحدة. وفيما يلي نبذة عن المرشحين المقبولين:

1.    الجنرال مامادي دومبويا (Mamadi Doumbouya): قائد عسكري سابق، قاد انقلاب  2021، ترأس الفترة الانتقالية، وترشحه يمثل تحويل السلطة العسكرية إلى مدنية.

2.    عبد الله ييرو بالدي: Abdoulaye Yéro Baldé  اقتصادي ذو خلفية دولية، عمل سابقاً في البنك الدولي وتولى وزارة التعليم العالي الغيني، معروف بإصلاحاته للجامعة الغينية والدفاع عن دولة القانون.

3.    الحاجة ماكالي كامارا: Hadja Makalé Camara شخصية دبلوماسية وإدارية، شغلت وزارات الزراعة والخارجية، لديها خبرة في الحوار السياسي ومدافعة عن حقوق المرأة.

4.    إبراهيمة أبي سيلا: مهندس ورائد أعمال من المهجر، عمل في مجال الطاقة والتكنولوجيا، شغل منصب وزير خلال الفترة الانتقالية.

5.    عبد الله كورومة Abdoulaye Kourouma  اقتصادي ورجل أعمال، نائب سابق، ركز في برنامجه على ريادة الأعمال والتعاون الدولي والزراعة.

6.    محمد نابي: Mohamed Nabé  خبير استراتيجي ومالي، له خبرة أكاديمية وتولى مهام دولية لمراقبة الانتخابات، ركز برنامجه على إصلاح الإدارة والشفافية.

7.    الحاج بونا كيتا  Elhadj Bouna Keïta  رجل أعمال وسياسي نافذ، له خبرة ممتدة في الانتخابات منذ التسعينيات، ولكن تأثيره محدود نسبياً.

8.    محمد شريف تونكارا  Mohamed Chérif Tounkara مرشح مستقل ورجل أعمال يعمل في تجارة الماس، يتمتع بخبرة طويلة في التجارة المحلية والدولية.

9.    فايا لانسانا ميليمونو (Faya Lansana Millimono): مرشح حزب الكتلة الليبرالية، أكاديمي ومؤسس حزب الكتلة الليبرالية، معروف بانتقاداته للسلطة العسكرية ويعتمد على النقاش الفكري والسياسي.

جرت الانتخابات على مدار يوم واحد فقط، في 28 ديسمبر 2025، من الساعة 7 صباحاً حتى 6 مساءً، داخل البلاد وفي الخارج (مكاتب الاقتراع للمقيمين في الشتات)، لكن في غياب أبرز الشخصيات المعارضة في المشهد السياسي الغيني. لم يشارك قادة الأحزاب التقليدية الثلاثة الكبرى في الانتخابات. فقد تم استبعاد الرئيس السابق ألفا كوندي Alpha Condé ، رئيس تجمع شعب غينيا  (RPG) ، من السباق الانتخابي بسبب تحديد السن الأقصى للترشح بـ 80 عامًا وفقًا للدستور الجديد. كما تم استبعاد المعارض سيلو دالين ديالو Cellou Dalein Diallo ، رئيس اتحاد القوى الديمقراطية في غينيا (UFDG) والوزير الأول سابقاً، عن المنافسة نظرًا لإقامته في المنفى لفترة طويلة. وينطبق الشيء نفسه على سيديا توري Sidya Touré ، الوزير الأول السابق والشخصية المركزية في اتحاد القوى الجمهورية  (UFR)، والذي يقيم أيضًا في المنفى.

6- الرقابة على الانتخابات: 

شاركت عدة بعثات دولية مراقبة ومتابعة العملية الانتخابية، أبرزها بعثات الاتحاد الافريقي، ومجموعة دول غرب أفريقيا (إيكواس)، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، والمنظمة الدولية للفرنكوفونية.

7- النتائج النهائية للانتخابات:

بعد مراجعتها للنتائج، قامت المحكمة العليا بتصحيح نسبة المشاركة الوطنية، حيث ارتفعت من 80.95 في المائة إلى 82.86 في المائة. كما أعلنت، في 4 يناير 2026، النتائج النهائية وفوز رئيس السلطة الانتقالية الجنرال مامادي دومبيا مرشح حركة (GMD) رئيساً رسمياً للبلاد بنسبة تصويت وصلت إلى 86.7% بعد حصوله على 4,594,262 صوتاً في الانتخابات من أصل  5.297.931 صوتاً صحيحاً كما هو موضح في الجدول رقم (1). بينما جاء عبد الله ييرو بالدي في المرتبة الثانية من حيث عدد الاصوات والتي بلغت (349,129) صوتا بنسبة 6.59 %. كما جاء المرشح محمد شريف في المرتبة الأخيرة بعدد أصوات 14,767 صوت. ويوضح الجدول التالي عدد الأصوات التي حصل عليها كل مرشح في الانتخابات الرئاسية.

جدول رقم (1) يوضح نسبة الأصوات النهائية التي حصل عليها كل مرشح في الانتخابات

 

المرشح

الجهة التابع لها

عدد الأصوات

النسبة

1

الجنرال مامادي دومبيا

مستقل

4,594,262

86.72%

2

عبد الله ييرو بالدي

Front démocratique de Guinée – Frondeg

349,129

6.59%

3

الدكتور فايا لانسـانا ميليمونو

حزب الكتلة الليبرالية (Bloc Libéral)

108,177

2.04%

4

الحاجة ماكالي كامارا

Front pour l'Alliance nationale – FAN

84,175

1.59%

5

إبراهيم آبي سيلا

Nouvelle génération pour la République – NGR

46,261

0.87%

6

الحاج بونا كيتا

Rassemblement pour une Guinée prospère – RGP

27,529

0.52%

7

محمد نابيه

Alliance pour le renouveau et le progrès – ARD

44,102

0.83%

8

عبد الله كوروما

Rassemblement pour la renaissance et le développement – RRD

29,529

0.56%

9

محمد شريف تونكارا

مستقل

14,767

0.28%

 8- السيناريوهات المستقبلية بعد الانتخابات

كان الهدف الرئيسي لهذه الانتخابات إعادة الحياة الدستورية بعد أربع سنوات من الفترة الانتقالية، وتعزيز الشرعية السياسية الداخلية، وتحسين الصورة الدولية لغينيا بعد الانقلاب العسكري، وقياس مستوى الثقة لدى المواطنين من خلال المشاركة الانتخابية. وبالرغم من ذلك فإن هناك قراءتان أو اتجاهان للمشهد السياسي في غينيا بعد الانتخابات:

- الاتجاه الأول:

قد تمثل هذه الانتخابات خطوة لإنهاء المرحلة الانتقالية، والانتقال إلى نظام سياسي ديموقراطي حقيقي يعكس إرادة الجماهير، على أن تكون بداية لمرحلة تركز على التنمية والمشروعات المتعلقة بالنية التحتية ورفع القدرات المؤسسية للدولة. ويرى المؤيدون لهذا التوجه أن مصلحة البلاد كانت تستدعي أن يواصل الجنرال مامادي دومبويّا الإنجازات التي بدأها خلال السنوات الأربع الماضية. كما يرون أن دومبيا يتمتع بشعبية بين ابناء غينيا، وهو ما يفسر الميل الجماعي للاحتفال بنجاحه قبل إجراء الانتخابات. يعتقد أنصاره أن البديل عن ترشح الجنرال دومبيا كان الفوضى، ومن ثم يجب عليه استكمال مسيرة البناء.

- الاتجاه الثاني:

ترى المعارضة أن المشهد الحالي يمثل مسرحية تم فيها استبعاد المرشحون اللذين يتمتعون بتأييد واسع بين أوساط الشباب وأن ما تم قد تم صياغته والترتيب له حتى تظهر النتائج النهائية كما يرغب المجلس العسكري، و بالتالي فإن الانتخابات تفتقد للشفافية مما قد يشكل تهديداً لمستقبل الاستقرار السياسي في غينيا، حيث مازال كثير من السجناء السياسيين في الاعتقال دون محاكمات، وغيرها من الممارسات التي تعتبرها المعارضة ذات أثر سلبي على الحياة المدنية في غينيا.

في النهاية، نحن أمام توجهين متناقضين في قراءة المشهد السياسي الغيني، وسيكون أداء الإدارة السياسية الغينية بقيادة دومبيا هو الحاسم حول مستقبل غينيا وأي اتجاه سيكون المنتصر من هذه السيناريوهات. فهل سيتم توجيه جهود الحكومة الجديدة التي ستتولى إدارة المرحلة المقبلة إلى إحداث تغيير ملموس يشعر به المواطنين خاصة فئة الشباب من حيث توفر فرص العمل واتاحة التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة للقضاء على البطالة، وتقليل نسب الفساد والمواءامات السياسية على حساب المصلحة العامة ، مما سيوفر مزيد من الشعبية حقيقية للرئيس دومبيا. أم سيكون هناك محاباة في التعيين والاختيار للمناصب العامة مما سيمهد الطريق لعودة التوترات السياسية ومن ثم عودة الانقلابات العسكرية للبلاد مرة أخرى.