31 مارس 2026
لم تكن زيارة رئيس السلطة الانتقالية في النيجر إلى الجزائر في فبراير الماضي، وما اعقبها من عقد اجتماع اللجنة المشتركة الكبرى الجزائرية – النيجرية للتعاون في 23 مارس 2026، مجرّد محطة بروتوكولية في جدول العلاقات الثنائية، بل جاءت بوصفها لحظة سياسية كثيفة المعاني في سياق إقليمي يعيش تحوّلات بنيوية عميقة. فالمنطقة الساحلية لم تعد فضاءً هامشياً في النظام الدولي، بل تحوّلت خلال العقد الأخير إلى أحد أكثر الأقاليم هشاشةً وتنافساً من حيث تداخل الأمني بالجيواقتصادي، والمحلي بالدولي، والإقليمي بالعالمي(International Crisis Group, 2023). ومن ثمّ، فإن قراءة الزيارة تقتضي تجاوز بعدها الشكلي إلى تحليل دلالتها ضمن إعادة تعريف الجزائر لموقعها في هذا الفضاء المتحوّل.
لقد ارتبط اسم الجزائر تاريخياً بإدارة أزمات الساحل، لا سيما منذ الأزمة المالية مطلع التسعينيات، ثم دورها المركزي في رعاية مسارات التفاوض التي أفضت إلى اتفاق السلم والمصالحة في مالي لعام 2015م (Boutellis & Zahar, 2017). هذا الدور لم يكن عرضياً، بل تأسس على إدراك استراتيجي مبكر بأن الأمن الوطني الجزائري يمتدّ جنوباً، وأن المجال الصحراوي ليس حدّاً فاصلاً بل فضاء تفاعل عضوي. فالمقاربة الجزائرية للأمن الإقليمي استندت إلى ما يمكن تسميته بـ"نظرية الامتداد الوقائي"، أي تحييد مصادر التهديد خارج الحدود قبل أن تتحول إلى مخاطر داخلية (Ammour, 2012).
غير أنّ السنوات الأخيرة وضعت الجزائر أمام مشهد إقليمي مغاير تماماً لما كان عليه الوضع خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فقد شهدت دول الساحل سلسلة انقلابات عسكرية متتابعة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر بين 2020م و2023م، ما أدى إلى اهتزاز الشرعيات السياسية القائمة وتراجع فعالية الأطر الإقليمية التقليدية (International Crisis Group, 2023). كما تزامن ذلك مع إعادة تموضع القوى الدولية، خاصة الانسحاب العسكري الفرنسي من مالي ثم النيجر، وانحسار دور بعثات أوروبية وأممية، في مقابل صعود فاعلين دوليين جدد ذوي مقاربات أمنية مختلفة (Charbonneau, 2022).
في هذا السياق، لا يمكن قراءة التقارب بين الجزائر والنيجر بوصفه تفاعلاً ثنائياً عادياً تحكمه ضرورات الجوار فقط؛ بل هو في جوهره إعادة تموضع متبادل داخل فضاء إقليمي يعيش مرحلة سيولة استراتيجية غير مسبوقة. فالساحل لم يعد مجرد هامش جغرافي بين المغرب العربي وغرب إفريقيا، بل أصبح ساحة لإعادة تشكيل توازنات الأمن والطاقة والتحالفات. في هذا السياق، يتجاوز التقارب بعده التكتيكي ليأخذ طابعاً بنيوياً يمس تعريف الدور والمكانة لكلا الطرفين.
إن التقدير الاستراتيجي العام لهذا التقارب يقوم على ثلاثة أبعاد مترابطة: محاولة جزائرية لاستعادة عمقها الإفريقي، وسعي نيجري لتنويع تحالفاته في بيئة ضاغطة، وإسهام تدريجي في إعادة تشكيل النظام الإقليمي الساحلي. وإذا ما تحقق مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP) فعلياً، فإن ذلك لن يكون مجرد إنجاز تقني، بل نقطة تحول جيواستراتيجية في العلاقة وفي بنية الإقليم ككل.
منذ استقلالها، بنت الجزائر جزءاً مهماً من شرعيتها الدبلوماسية على بعدها الإفريقي ودعمها لحركات التحرر، وهو ما انعكس في دورها داخل الاتحاد الإفريقي. غير أن تحولات العقد الأخير، خاصة تصاعد الاضطرابات في الساحل، دفعت الجزائر إلى التركيز على البعد الأمني الحدودي أكثر من البعد الإفريقي الأوسع.
اليوم، يبدو أن الجزائر تعيد وصل ما انقطع جزئياً بين هذين البعدين. فالانخراط المكثف في العلاقة مع النيجر لا ينحصر في ضبط الحدود أو التنسيق الاستخباراتي، بل يتجه نحو بناء شبكة مصالح اقتصادية وهيكلية طويلة الأمد. في أدبيات الأمن الإقليمي، تؤكد مدرسة "المجمعات الأمنية الإقليمية" أن الدول التي تتشارك أنماط تهديد متداخلة تميل إلى بناء أطر تعاون عميقة تتجاوز الطابع الدفاعي البحت (Buzan & Wæver, 2003). وبالنسبة للجزائر، فإن إعادة التموضع في الساحل تعني الانتقال من دور "الضابط الحدودي" إلى دور "الفاعل البنيوي" في تشكيل قواعد التفاعل داخل الإقليم.
هذا التحول لا يعبّر عن طموح هيمني بقدر ما يعكس إدراكاً بأن أمن الجزائر لم يعد قابلاً للفصل عن استقرار الساحل. ومن ثمّ، فإن استعادة العمق الإفريقي ليست خطاباً رمزياً، بل خياراً استراتيجياً لحماية الداخل عبر إعادة تشكيل الخارج القريب.
بالنسبة إلى النيجر، فإن البيئة الإقليمية والدولية خلال السنوات الأخيرة اتسمت بارتفاع درجة عدم اليقين. التحولات السياسية الداخلية، وتوتر العلاقات مع بعض الشركاء الغربيين، والعقوبات الإقليمية في فترات سابقة، كلها عوامل دفعت نيامي إلى البحث عن تنويع شراكاتها.
في نظرية "تنويع المخاطر" في العلاقات الدولية، تسعى الدول ذات الموارد المحدودة إلى تقليل اعتمادها على شريك واحد عبر توزيع علاقاتها على أكثر من محور (Lake, 2009). ومن هذا المنظور، يمثل التقارب مع الجزائر خياراً عقلانياً لنيامي، لأنها: تتعامل مع دولة مجاورة ذات ثقل عسكري ودبلوماسي، تحافظ على قدر من الاستقلالية عن الاستقطابات الدولية الحادة، كما وتفتح منفذاً استراتيجياً نحو المتوسط والأسواق الأوروبية عبر البنية التحتية الجزائرية.
الأهم من ذلك أن الجزائر، بحكم سياستها القائمة على عدم التدخل المباشر في الشؤون الداخلية، تُعد شريكاً أقل كلفة سياسياً مقارنة ببعض القوى الدولية. وهذا يمنح النيجر هامش مناورة أوسع في بيئة ضاغطة.
التقارب الثنائي، إذا استمر وتعمّق، قد يتحول إلى عامل مؤثر في إعادة تشكيل النظام الإقليمي الساحلي. فالنظام الإقليمي لا يتغير دفعة واحدة، بل عبر تراكم تفاعلات ثنائية تتحول إلى أنماط مستقرة(Waltz, 1979).
هناك ثلاث ديناميات محتملة لهذا التأثير:
1. دينامية أمنية: بناء ترتيبات تنسيق مستدامة لحماية الحدود والبنى التحتية الحيوية.
2. دينامية اقتصادية: تحفيز مشاريع عابرة للحدود تعيد رسم خريطة الاعتماد المتبادل.
3. دينامية سياسية: خلق محور استقرار نسبي داخل إقليم مضطرب.
في هذا الإطار، يصبح التقارب الجزائري - النيجري جزءاً من عملية أوسع لإعادة توزيع الأدوار داخل الساحل، خاصة في ظل تراجع بعض الأطر متعددة الأطراف التقليدية.
مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP)، الذي يربط نيجيريا بالجزائر مروراً بالنيجر، يمثل العامل الحاسم في تحويل التقارب من مستوى سياسي - أمني إلى مستوى بنيوي عميق. تقارير الطاقة الدولية تشير إلى أن تنويع مسارات الغاز الإفريقي نحو أوروبا أصبح أولوية استراتيجية بعد 2022م(International Energy Agency [IEA], 2023).
إذا تحقق المشروع فعلياً: ستتحول النيجر من دولة عبور هامشية إلى دولة استراتيجية في شبكة الطاقة الإفريقية، كما ستعزز الجزائر موقعها كمحور تصدير رئيسي نحو أوروبا، وسيُعاد رسم خريطة الاعتماد المتبادل في غرب إفريقيا.
في نظرية الاعتماد المتبادل المركب، تؤدي مشاريع البنية التحتية الكبرى إلى خلق مصالح متداخلة تقلل من احتمالات القطيعة السياسية الكاملة (Keohane & Nye, 2012). وهذا يعني أن TSGP، إذا أُنجز، لن يكون مجرد خط أنابيب، بل آلية تثبيت استراتيجية للعلاقة.
رغم المخاطر الأمنية والضغوط الخارجية، فإن المصالح البنيوية لكلا الطرفين تتقاطع بوضوح: الجزائر بحاجة إلى استقرار جنوبها وتعزيز عمقها الإفريقي، في حين أن النيجر بحاجة إلى منافذ اقتصادية وشركاء بدون إملاء شروط سياسية ، كما أن الإقليم بحاجة إلى مشاريع تعيد إنتاج الحد الأدنى من التكامل.
وفق منطق الواقعية البنيوية، حين تتقاطع مصالح دولتين متوسطتي القوة في بيئة إقليمية مضطربة، فإن التعاون يصبح وسيلة لتقليل التهديدات المشتركة وزيادة القدرة على المناورة (Waltz, 1979).
بالتالي، التقارب الجزائري - النيجري ليس تحالفاً ظرفياً، بل هو تفاعل بنيوي نابع من تقاطع الضرورات الأمنية والاقتصادية. إنه: محاولة جزائرية لإعادة تثبيت حضورها الإفريقي من بوابة الساحل، وسعي نيجري لتنويع تحالفاته وتوسيع هامش استقلاله، ولبنة في إعادة تشكيل تدريجية للنظام الإقليمي الساحلي.
وإذا تحقق أبوب TSGP فعلياً، فسيكون نقطة التحول الكبرى التي تنقل العلاقة من مستوى التنسيق إلى مستوى الترابط الهيكلي طويل الأمد. حينها، لن يكون الحديث عن "تقارب" فحسب، بل عن نشوء محور جيواقتصادي يعيد تعريف توازنات الساحل لعقود قادمة.
للإطلاع على الدراسة الكاملة يرجى الضغط على هذا الرابط:
