إعداد: عبد الرحمن الكاتب - متدرب في برنامج تدريب شباب الباحثين بالمركز
مراجعة: دكتورة حنان عز العرب
بعد إعادة انتخابه في مايو 2019، تعهد الرئيس سيريل رامافوزا بتسريع قانون إصلاح الأراضي، وفي يوليو 2019، شُكلت لجنة لتوضيح الأحكام الدستورية المتعلقة بنزع الملكية وصياغة تشريع جديد، وبحلول أكتوبر 2020، نُشر مشروع قانون نزع الملكية لعام 2020 بعد جلسات استماع عامة. هدف هذا المشروع إلى مواءمة نزع الملكية مع الدستور وإدخال إمكانية التعويض الصفري في ظروف محددة. توجت هذه الفترة من البحث والمناقشات بتوقيع الرئيس رامافوزا على مشروع القانون نزع الملكية في ديسمبر 2024 (رقم 13 لسنة 2024) ليصبح قانونًا في 20 يناير 2025، الذي يرى أن ذلك القانون وتلك السياسة الجديدة لدولة جنوب أفريقيا باعتبارها جزءًا أساسيًا من جهود العدالة الاقتصادية الأوسع، وخطوة نحو تحقيق العدالة الضائعة.
أثار هذا القانون ردود فعل متباينة محليًا ودوليًا، ومن أبرز ردود الفعل الدولية ما كان للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصف القانون بأنه "انتهاك جسيم لحقوق الإنسان" وزعم أن جنوب أفريقيا تستهدف المزارعين البيض، وصل الأمر الى عدم مشاركة الرئيس ترامب في قمة مجموعة العشرين التي عقدت في جنوب أفريقيا خلال شهر نوفمبر الجاري 2025 اعتراضا على القانون.
وفي الحقيقة تمتد جذور هذه الأزمة المتعلقة بتوزيع الاراضي، بين المستوطنيين أصحاب البشرة البيضاء والمواطنون من أصحاب البشرة السوداء، إلى مطلع القرن السابع عشر حينما سعت قوى الإستعمار في جنوب أفريقيا للإستحواذ على مساحات واسعة من الأراضي لأصحاب البشرة البيضاء وفي سبيل ذلك سنت القوانين المختلفة وهمشت الغالبية السوداء مما فاقم من أزمة الأراضي، وفي هذه الورقة البحثية نتناول الجذور التاريخية والقوانيين والتشريعات المختلفة ومساعي الدولة لحل هذه المشكلة خاصة بعد انتهاء الفصل العنصري والاجراءات الأخيرة التي اتخذتها، وعرض لبعض ردود الفعل الداخلية والخارجية على القانون الأخير لنزع الملكية.
أولًا: الجذور التاريخية لمشكلة الأراضي في جنوب أفريقيا.
تعود أزمة الأراضي في جنوب أفريقيا الى توسع المستوطنات الهولندية في الكيب في القرن السابع عشر، حينما أنشأت شركة الهند الشرقية الهولندية مستعمرة الكيب لتكون مركز تجاري يربط بين المستعمرات الهولندية الموجودة في آسيا وأفريقيا وأمريكا، ولم تكن مستعمرة الكيب مجرد مركز تجاري فقط، بل كانت مكان مثالي للتقاعد لموظفي شركة الهند الشرقية الهولندية الذين اعطتهم الشركة أراضي بهدف زراعتها ببعض المحاصيل التي يتم بيعها للشركة ايضا بعد جني المحصول مقابل أسعار ثابتة، وكانوا يجلبون العبيد من دول مثل: مدغشقر، وزيمبابوي، وبعض الدول بقارة آسيا من أجل العمل في هذه الاراضي. وقد توسعت المستوطنة الهولندية في سيطرتها على الأراضي وتسييجها للزراعة، قامت بذلك على حساب الرعاة المحليين، خاصة قبائل الخويخوي والسان (Khoikhoi and San)، الذين لم يكن لديهم خيار سوى الانسحاب من موارد المياه العذبة والمراعي الخصبة في الجزء الشمالي من شبه جزيرة كيب تاون أو البقاء هناك كخدم أو وكلاء للهولنديين ([1]).
لم ينحصر وجود الرجل الابيض في جنوب افريقيا على المستوطنين الهولنديين فقط بل جاء ايضاً البريطانيون وقاموا بتأسيس شركات لهم. اصبحت المطامع البريطانية التوسعية تزداد يوما بعد يوم في الاراضي والثروات في جنوب افريقيا خاصة بعد اكتشاف الذهب والماس مما دفع الطرفين أصحاب البشرة البيضاء للدخول في حرب استمرت لسنوات للسيطرة على الأرض والثروات أطلق عليها حرب البوير الاولى والثانية.
عندما انتهت حرب البوير بهزيمة المستوطنيين الهولنديين (أو ما يطلق عليهم حاليا الافريكانرز) على يد الجيش البريطاني، the Boer second War (1899-1902)، وتوقيع اتفاقية فيريينينغ (Vereenigingon) بين الطرفين([2])، أقام البريطانيون والأفريكانرز ما يعرف باتحاد جنوب أفريقيا. فبحلول عام 1910 أصبحت جنوب إفريقيا موحدة تحت سيطرة بريطانيا ويطلق عليها "جمهورية جنوب افريقيا الاتحادية"، وذلك بعد توحيد أربع مستعمرات بريطانية سابقة وهى مستعمرة الكيب Cape Colony، ومستعمرة ناتالNatal Colony ، ومستعمرة ترانسفال Transvaal Colony، ومستعمرة نهر الأورانج The Orange River Colony )[3](، وقد تم استبعاد أصحاب الأرض الاصليين من أبناء القبائل الافريقية من المشاركة السياسية في تشكيل مستقبل الإتحاد، حيث وضع أصحاب الأراضي والمصانع البريطانيون والأفريكانرز عملية من شأنها أن تعزز ثروتهم مع استبعاد السود من خلال القوانيين والتشريعات ([4]) .
ثانيًا: القوانيين والتشريعات لتوطين هيمنة الرجل الابيض على الاراضي
أصدرت الحكومات المتعاقبة بعد تأسيس دولة جنوب افريقيا الاتحادية عدداً من القوانين لترسيخ سيطرة المستوطنين البيض على الاراضي وحرمان أصحاب الارض الاصليين (الافارقة) من الحق في التملك بحرية وعدالة.
1- قانون أراضى السكان الأصليين 1913 :
حرم قانون أراضى السكان الأصليين 1913 (Natives Land Act, 1913) الأغلبية السوداء (المواطنين الاصلين) من حق التصرف في 87% من أراضي الإتحاد الجديد – استثنى القانون من يعمل لدى البيض- حيث عرّف قانون 1913 "المواطن الأصلي" بأنه "أي شخص، ذكر أو أنثى، عضو في مجموعة إثنية أو قبيلة من السكان الأصليين في جنوب أفريقيا؛ ويشمل كذلك أي شركة أو هيئة، تكون تحت سيطرة السكان الأصليين." ([5]). وقد أعطى القانون للأفارقة السود (السكان الاصليين) الحق في التصرف في 7% فقط من أراضي الاتحاد، وزادت هذه النسبة الى 13% بموجب قانون عام 1936 ([6]). ولكن وفقا للقانون تم منع السسكان الاصليين (السود) من شراء أو استئجار الأراضى خارج ما يسمى بمحميات السكان الأصليين، وإجبار الكثير من المزارعين السود على ترك أراضيهم. ووفقاً لهذا القانون "لا يجوز للمواطن الأصلي الدخول في أي اتفاق أو معاملة لشراء أو استئجار أو أي حيازة أخرى من شخص آخر غير مواطن أصلي، لأي من هذه الأراضي أو أي حق فيها أو مصلحة فيها أو حق ارتفاق عليها."
دخل القانون حيز التنفيذ في التاسع عشر من يونيو لعام 1913 ، وبمجرد إقرار القانون، بدأت حكومة الفصل العنصري في نقل السود بشكل جماعي إلى أراضي فقيرة ومدن ضيقة المساحة وسيئة التخطيط والخدمات مما كرس للفقر بين السكان السود في جنوب افريقيا.
2- قانون نزع الملكية رقم 63 لعام 1975 (Expropriation Act No. 63 of 1975)
كان إصدار قانون نزع الملكية رقم 63 لعام 1975 (Expropriation Act No. 63 of 1975) المتعلق "بنزع ملكية الأراضي والممتلكات الأخرى للأغراض العامة ولأغراض أخرى محددة" أداة قوية تم استغلالها وتطبيقها لتعزيز الأجندة العنصرية الشاملة لنظام الفصل العنصري على الرغم من صياغته التي قد تبدو محايدة. بالرغم أن القانون لم ينص صراحةً على التمييز العنصري في نصوصه، فإن تعريفه الواسع لـ"الغرض العام" سمح بتفسيره وتطبيقه بطرق تخدم بشكل مباشر أو غير مباشر أهداف الفصل العنصري؛ فعلى سبيل المثال: يمكن أن يشمل "الغرض العام" مشاريع البنية التحتية التي كانت تهدف إلى خدمة المناطق التي يمتلكها السكان البيض بشكل أساسي، أو عمليات الاستحواذ على الأراضي التي تدعم سياسات الفصل العنصري([7])، وفي هذا السياق يتضح جليًا الآثار السلبية المترتبة على استخدام السلطة التشريعية لخدمة السلطة التنفيذية للبيض والملونين. لذلك سعت التعديلات اللاحقة بعد عام 1994 وانتهاء نظام الفصل العنصري إلى جعل القانون يتوافق مع الدستور الذى يشترط أن يكون التعويض عادلاً ومنصفاً مع مراعاة تاريخ سلب الأراضى والاستخدام الحالى لها.
ثالثًا: جهود الدولة.
بعد انتهاء فترة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا عام 1994 وبدء مشاركة السكان الأصليين للحكم مع السكان البيض، تم إقرار دستور عام 1996 المتعلق بالملكية العامة والذي أسهم في إصدار برنامج الإصلاح الزراعي. وقد شكلت المادة 25 (بند الملكية) من دستور 1996، الأساس لبرنامج الإصلاح الزراعي. فهو يلزم الدولة باتخاذ "تدابير تشريعية معقولة" لتهيئة الظروف للوصول العادل إلى الأراضي، ومعالجة التمييز العنصري السابق، وضمان حيازة آمنة للأراضي. يسمح هذا البند باستحواذ الممتلكات لـ"غرض عام" أو "مصلحة عامة"، شريطة دفع تعويض "عادل ومنصف".
1- برنامج الاصلاح الزراعي:
يركز برنامج الإصلاح الزراعي الشامل، الموضح في الورقة البيضاء لسياسة الأراضي في جنوب أفريقيا لعام 1997(White Paper on South African Land Policy) حول سياسة الأراضي في جنوب أفريقيا ([8])، حول ثلاثة محاور مترابطة تهدف إلى تحقيق الإنصاف والكفاءة في استخدام الأراضي وهى:
أ- إعادة حقوق الأراضي
يعالج هذا المحور المظالم التاريخية من خلال رفع الظلم الواقع على الأفراد والمجتمعات التي جُردت من ممتلكاتها بعد 19 يونيو 1913 بسبب قوانين أو ممارسات تمييزية عنصرية، وأسس قانون إعادة حقوق الأراضي لعام 1994 لجنة إعادة حقوق الأراضي ومحكمة مطالبات الأراضي لإدارة هذه العملية، وتقديم استعادة الأراضي، أو أراضي بديلة، أو تعويضات مالية. بينما تم تسوية المطالبات الحضرية إلى حد كبير بتعويضات نقدية.[9]
ب- إعادة توزيع الأراضي
يهدف إلى تزويد الأفراد والمجتمعات المتأثرة بإمكانية الوصول إلى الأراضي للاستخدامات السكنية والإنتاجية، وبالتالي تحسين دخلهم ونوعية حياتهم.[10]
ت- إصلاح حيازة الأراضي
يسعى هذا المحور إلى تأمين وتوسيع حقوق الأراضي للأشخاص المتأثرين، بهدف إخضاع جميع شاغلي الأراضي لنظام قانوني موحد لحيازة الأراضي. تم تقديم تشريعات مثل قانون الحماية المؤقتة لحقوق الأراضي غير الرسمية وقانون تمديد أمن الحيازة لحماية عمال المزارع والمستأجرين الزراعيين.[11]
2- إعادة توزيع 30% من الأراضي
حددت حكومة المؤتمر الوطني الأفريقي الهدف الأول وهو إعادة توزيع 30% من الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة على المواطنين السود ليتحقق بحلول عام 1999. ومع ذلك فقد كان هذا "هدفًا ديناميكيًا"، حيث تم تأجيل الموعد النهائي مرارًا وتكرارًا إلى عام 2010، ثم 2015، ويستهدف حاليًا عام 2030.[12]
واتضح من ذلك أن هناك انفصال بين ما يتم إعلانه من قبل السياسيين ونموذج التنفيذ على أرض الواقع. ففي حين أن الولاية الدستورية وهدف الـ 30% يعبران بوضوح عن نية ملحة وتحويلية للإصلاح الزراعي، فإن الاعتماد التاريخي على نموذج العرض والطلب لشراء الأراضي يحد بطبيعته من قدرة الدولة على الحصول على الأراضي بالحجم والسرعة اللازمين. هذا النهج القائم على السوق، على الرغم من كونه يبدو عادلاً، إلا أنه يمنح قوة كبيرة لمالكي الأراضي (غالبًا ما يكون ملاك الأراضي من البيض) لتحديد الأسعار، وبالتالي يبطئ عملية إعادة التوزيع ويجعلها تعتمد على الميزانية. وهذا يكشف عن تناقض أساسي بين الأهداف الطموحة والتحويلية للإصلاح الزراعي والآليات التي تحركها السوق المختارة لتنفيذها. وهذا يعني أن التصميم الأول للسياسة، أو على الأقل تطبيقها العملي احتوى على عيب متأصل قوض أهدافه الخاصة. وعلى الرغم من أن سياسة العرض والطلب ربما كانت تهدف إلى ضمان الاستقرار وحماية حقوق الملكية، إلا أنها أدت عن غير قصد إلى إدامة التوزيع غير المتكافئ للأراضي؛ من خلال جعل إعادة التوزيع واسعة النطاق والسريعة غير مجدية اقتصاديًا أو صعبة سياسيًا ضمن قيود الميزانية الحالية للحكومة في جنوب افريقيا. مما يسلط الضوء على الحاجة إلى نهج أكثر استباقية وربما تدخلاً وهو ما يحاول قانون الاستحواذ الجديد توفيره([13]).
وقد دشنت حكومة جنوب أفريقيا سياسات مختلفة لمساعدة المتضررين مثل:
- منحة حيازة الأراضي السكنية (SLAG) (1995-2000) والتي قدمت منحًا (تصل إلى 16,500 راند لكل أسرة) للمجموعات أو الأسر لشراء الأراضي أو تأمين حيازتها، وشملت أيضًا تحسينات البنية التحتية. وقد استهدفت الأسر التي يقل دخلها عن 3,500 راند شهريًا.
- إصلاح الأراضي للتنمية الزراعية (LRAD) (2001-2010): قدمت منحًا تتراوح من 20,000 إلى 400,000 راند للأفراد المتضررين لشراء الأراضي لأغراض زراعية.
- استراتيجية الاستحواذ الاستباقي على الأراضي (PLAS) (2006-الآن): والتى تحولت من نهج مدفوع بالطلب إلى نهج مدفوع بالعرض، حيث تستحوذ الحكومة على الأراضي الزراعية ذات الموقع الاستراتيجي وتؤجرها بموجب شروط محددة وانضباط إنتاجي صارم بهدف ضمان أقصى استخدام مستدام للأراضي لصالح المجتمع.
ومؤخرا قامت الحكومة في جنوب افريقيا بمناقشة جادة حول إصلاح قانون حيازة الاراضي واستغلالها من خلال قانون نزع ملكية الاراضي، والذي بدأ النقاش الجاد حوله منذ 2019، في خطوة قد تعيد التوازن والعدالة بين السكان الأصليين (السود) والسكان من البيض والافريكانرز.
3- قانون نزع ملكية الاراضي لعام 2025 :
جاء قانون نزع الملكية (Expropriation Act of 2025) ليضع حدًا للمظالم التاريخية ولضياع الحقوق والأراضي بعد عدة محاولات باءت كلها بالفشل، فقد تعهد الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا Cyril Ramaphosa بضرورة الإسراع فى عملية إصلاح الأراضي، بما في ذلك نزع الملكية دون تعويض، فقد تم تشكيل لجنة لتوضيح الأحكام الدستورية المتعلقة بنزع الملكية وصياغة تشريع جديد فى يوليو 2019 ، وفي أكتوبر 2020 تم نشر مشروع قانون نزع الملكية لعام 2020 بعد جلسات استماع عامة، واستهدف هذا المشروع مواءمة نزع الملكية مع الدستور وإدخال إمكانية التعويض الصفري -نزع ملكية الأرض دون دفع تعويض- في ظروف محددة. توجت هذه الفترة بتوقيع الرئيس سيريل رامافوزا على قانون نزع الملكية رقم 13 لسنة 2024 ليصبح قانونًا في 20 يناير 2025، ليحل محل قانون 1975 الصادر في عهد الفصل العنصري ([14]). ينص القانون على أن الحكومة يمكن أن تستولي قانونيًا على الممتلكات الخاصة لأغراض الخدمة العامة أو المصلحة العامة، بشرط أن يتم ذلك وفق إجراءات مؤسسية شفافة. ويتضمن نص القانون بندًا خاصًا في المادة 12 فقرة (3) يتيح في حالات محددة، مثل: الأراضي غير المستغلة أو المملوكة للدولة، أو تلك التي تم الإستحواذ عليها عبر إجراءات تمييزية سابقة، أن يتم نزع الملكية دون دفع تعويض مالي (nil compensation) إن اعتبر هذا الأمر "عادلًا ومنصفًا" قانونيًا ([15]).
وقد صمم القانون لتحقيق توازن حساس بين ضرورة معالجة الظلم التاريخي الناجم عن الفصل العنصري، وحماية الحقوق الدستورية لمالك الأرض، مع تأكيد وجود إشراف قضائي مسبق ولاحق لضمان العدالة.
من أهم التغييرات في التشريع الجديد التمييز بشكل أوضح بين الغرض العام والمصلحة العامة، حيث يشمل الغرض العام مشاريع البنية التحتية، وتوسيع الخدمات العامة، والحفاظ على البيئة، بينما يركز النفع العام على إصلاح الأراضي والتوزيع العادل للموارد. كما ينص القانون على معايير واضحة للتعويض العادل والمنصف، مع مراعاة عوامل أخرى في تحديد قيمة التعويض منها القيمة السوقية، والحيازة التاريخية.
ومن الإضافات الهامة إدخال مبدأ نزع الملكية دون تعويض (EWC) في ظل شروط محددة. يحدد القسم ١٣ الحالات التي يجوز فيها للدولة الاستحواذ على الاراضي دون تعويض أو دفع تعويض رمزي، مثل الأراضي المهجورة، والأراضي المملوكة للدولة غير المستخدمة، والأراضي المشاعة منذ فترة طويلة ضمن هذه الفئة، اعترافًا بالمظالم التاريخية.
رابعًا: الموقف الداخلي والدولي
تباينت المواقف الداخلية والخارجية حول قانون الأراضى، ويرجع هذا التباين الى الاختلاف الديموغرافي الواسع في المجتمع الجنوب أفريقي وسيتم عرض هذه المواقف فيما يلى:
11- الموقف الداخلي:
تمثل مشكلة الأراضي في جنوب إفريقيا وخاصة ما يتعلق بالإصلاح الزراعي وإعادة توزيع الأراضي إحدى القضايا السياسية الأكثر حساسية منذ نهاية الفصل العنصري، وقد تبنّت الأحزاب المعارضة مواقف مختلفة بشأنها، اختلفت بحسب أيديولوجياتها ومصالح قواعدها الانتخابية. فقد دعم حزب المؤتمر الوطني الحاكم African National Congress)) تعديل المادة 25 من الدستور للسماح بالمصادرة دون تعويض في حالات محددة، وضمن إجراءات دستورية واضحة. بهدف تحقيق عدالة إعادة التوزيع بحلول 2030، من خلال برامج إعادة توزيع الأراضي ضمن ضوابط قانونية ([16]) ، ورغم الاتفاق مع حزب مقاتلي الحرية الاقتصادية (Economic Freedom Fighters) في هذا الشأن، إلا أنه يقر بالتحديات التنفيذية المتعلقة بهذا الشأن.
وعلى الجانب الآخر، فقد كان لحزب التحالف الديمقراطي (Democratic Alliance) نقد شديد للقانون فهو يعارض بشدة المصادرة دون تعويض (Expropriation Without Compensation) ويؤكد أن تعديل المادة 25 من الدستور يُهدّد حقوق الملكية ويُضعف التوازن الاقتصادي ويُفقد المستثمرين الثقة ([17]). ويمثل المستوطنين البيض قاعدة هذا الحزب ، وسلك نفس الموقف أحزاب أخرى مثل: حزب العمل الديمقراطي المسيحي الأفريقي (African Christian Democratic Party)[18]، وحزب إنكاثا للحرية (Inkatha Freedom Party) حيث رفضا التعويض الصفري معللين عدم شرعية القرار وخطورته على الاقتصاد والاستثمار ([19]).
فيما أكدت منظمات حقوقية بجنوب أفريقيا مثل: صندوق فوميلانا الاستشارى Vumelana Advisory Fund على ضرورة اتباع نهج حقوقي في تنفيذ الإصلاح الزراعي لتحقيق الفائدة للمجتمعات الفقيرة ([20]). فيما عبرت المفوضية الوطنية لحقوق الإنسان عن قلقها من أن القانون لا يوضح بشكل كاف آليات إعادة التوزيع ([21]). في حين دعم مكتب حقوق الإنسان القرار واصفًا إياه بأنه خطوة مهمة لمعالجة التفاوت العنصري في ملكية الأراضي.
2- الموقف الدولي:
أثار إقرار القانون رد فعل دولي بين مؤيد ومعارض ولكن كانت ابرز المواقف الدولية موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصفه بأنه "انتهاك جسيم لحقوق الإنسان" وزعم أن جنوب أفريقيا تستهدف المزارعين البيض، حتى أنه أعلن عدم حضور بلاده قمة مجموعة العشرين في جنوب أفريقيا وجمد مساعدات مالية كانت مخصصة لمرضى الايدز في جنوب أفريقيا وتصريحه مؤخرا أن جنوب أفريقيا لا تستحق أن تكون عضواً في مجموعة العشرين، مما فرض تساؤلات عديدة حول سبب الهجوم الحاد من قبل الرئيس الأمريكي على جنوب افريقيا بسبب هذا القانون ([22]). وأمام هذا الهجوم دافع الرئيس رامافوزا عن القانون الجديد باعتباره جزءًا أساسيًا من جهود العدالة الاقتصادية الأوسع.
وفي النهاية يمكن القول أن هذا القانون يعد خطوة هامة من أجل إقرار العدالة ولكن في نفس الوقت تواجه جنوب أفريقيا عدة تحديات في إعادة توزيع الأراضي والقضاء على الظلم التاريخي، منها تحديات دولية وتشريعية واجتماعية، مما يضعنا أمام سيناريوهات واحتمالات مختلفة منها:
- السيناريو الأول: تطبيق القرار الجديد والوصول لحل وسط مع ملاك الأراضي من البيض والملونين مع إعادة التوزيع العادل ودعم صغار المزارعين مما يساهم في دفع عجلة الإنتاج الزراعي.
- السيناريو الثاني: التعامل بصرامة مع المزارعين البيض والملونين مما يفاقم الوضع الاجتماعي، مع عدم تقديم الدعم الكافي لملاك الأراضي الجدد من الفلاحين السود مما قد يساهم في ركود الإنتاج الزراعي، وهو القطاع الأكثر حيوية في جنوب أفريقيا.
- السيناريو الثالث: حدوث خلاف واحتكاكات أو اشتباكات بين الحكومة وملاك الاراضي من البيض والملونيين أثناء عمليات التنفيذ للقانون مما قد يعطي الحجة والمبرر لبعض الاطراف الدولية للتدخل تحت ذريعة حماية الأقليات بما يهدد سيادة جنوب أفريقيا على أراضيها في انتهاك جسيم للقانون الدولي.
[1] Leonard thompson, A History of South Africa, 3rd ed, (New Haven: Yale University Press publications, 2001), p 33.
[2] Boddy-Evans, Alistair. "The Jameson Raid, December 1895." ThoughtCo, Oct. 8, 2021, https://www.thoughtco.com/jameson-raid-december-1895-44562
[3] A Guide to the United States’ History of Recognition, Diplomatic, and Consular Relations, by Country, since 1776: South Africa,15-11-2025:
[4] تناول الكاتب ليونارد طومبسون Leonard Thompsonهذه الجزئية في كتابه A History of South Africa في فصل الماس، والذهب والإمبريالية البريطانية DIAMONDS,GOLD,AND BRITISHIMPERIALISM ، لمزيد من المعلومات إقرأ:
- Leonard thompson, Op.Cit., pp 110 :153.
[5] 1913 Natives Land Act Centenary, South Africa Government website, visited 15 Oct. 2025:
[6] Ibid
[7] Act to provide for the expropriation of land and other property for public and certain other purposes; and to provide for matters connected therewith, 20 June 1975: https://www.gov.za/sites/default/files/gcis_document/201505/act-63-1975.pdf
[8] هي وثيقة سياسية أساسية صدرت بعد نهاية نظام الفصل العنصري، وتحدد رؤية الحكومة واستراتيجيتها للإصلاح الزراعي. لم تكن هذه الوثيقة مجرد بيان، بل كانت بمثابة خارطة طريق للتعامل مع المظالم التاريخية الناجمة عن سياسات الأراضي العنصرية السابقة.
[9] Land reform, 15-11-2025, https://www.gov.za/issues/land-reform?hl=ar-EG
[10] South Africa's Land Reform Programme,15-11-2025, https://commons.stmarytx.edu/thescholar/vol5/iss2/4/?hl=ar-EG
[11] Land redistribution and land grants, 15-11-2025,
[12] Siphe Zantsi, South Africa’s land redistribution: an agent-based model for assessing structural and economic impacts, 15-11-2025, Full article: South Africa’s land redistribution: an agent-based model for assessing structural and economic impacts
[13] Hanri Mostert, Revising the Procedure for Expropriations in South Africa: 2015 Bill and 1975 Act compared
(PDF) Revising the Procedure for Expropriations in South Africa: 2015 Bill and 1975 Act compared
[14] Act No.13 of 2024: Expropriation Act, 2024, GOVERNMENT GAZETTE, 24 January 2025
[15] Idem, Article (12).
[16] Mashatile says state is committed to land expropriation 'in public interest', 15-11-2025, https://www.timeslive.co.za/politics/2024-10-31-mashatile-says-state-is-committed-to-land-expropriation-in-public-interest/?utm_source=chatgpt.com
[17] DA Federal Council affirms longstanding Party position: We reject ‘nil compensation’ in acts of expropriation, 15-11-2025, https://www.da.org.za/2025/05/da-federal-council-affirms-longstanding-party-position-we-reject-nil-compensation-in-acts-of-expropriation
[18] We must protect property rights, says ACDP, 15-11-2025
- https://acdp.org.za/we-must-protect-property-rights-says-acdp/
[19] IFP Statement on the Signing into Law of the Expropriation Bill by the President, 15-11-2025, -
[20] South Africa needs a human rights-based approach to land reform, 15-11-2025
[21] SA Human Rights Commission urges clarity on land expropriation policy, 15-11-2025
SA Human Rights Commission urges clarity on land expropriation policy
[22] لن يشارك أي مسؤول أمريكي".. ترامب يقاطع قمة العشرين في جنوب أفريقيا بذريعة "التمييز ضد البيض، 15-11-2025 https://arabic.euronews.com/2025/11/08/donald-trump-south-africa-g20-farmers-white-minority-pretoria-boycott
