إعداد: إبراهيم كيتا - باحث ومترجم في المركز الافريقي للابحاث (أكريس)
الأحد 30 نوفمبر 2025
توجت القمة السابعة بين الاتحاد الافريقي والاتحاد الاوروبي التي عقدت في لواندا عاصمة انجولا تحت شعار: «تعزيز السلام والازدهار من خلال تعاون متعدد الأطراف فعال » في 24 و23 نوفمبر 2025 شراكة بين الطرفين ممتدة منذ 25 عاما، بحضور عدداً من رؤساء الدول، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون Emmanuel Macron ، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس Friedrich Merz ، والرئيس الكيني ويليام روتو William Ruto ، ورئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا Cyril Ramaphosa . كما شارك في القمة عدد من رؤساء الحكومات الأفريقية والأوروبية، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات متعددة الأطراف.
تأتي هذه القمة في ظل ظروف دولية معقدة حيث يعيش العالم فترة تحول في السياسات الدولية وتغير في الاجندات العالمية في وقت تسعى فيه كثير من الدول الافريقية إلى اتباع نهج جديد للشراكات والتعاون مع القوى الدولية المختلفة بما يخدم مصالح الشعوب الافريقية ويحقق التوازن في المصالح المشتركة. وقد تناولت القمة في لواندا عدد من القضايا المحورية في ملف التعاون الافريقي الاوروبي سيتم تناولها في السطور التالية ولكن في البداية سيتم الاشارة إلى تاريخ القمم التي عقدت على مدار السنوات الماضي.
اولاً: نبذة عن تاريخ القمم الاوروبية – الافريقية:
بدأت القمة الاولى بين الاتحاد الافريقي والاتحاد الاوروبي في القاهرة عام 2000 تحت شعار "بعد جديد لشراكتنا العالمية في القرن الحادي والعشرين"، وقد ركزت على التزم كلا الجانبين بتعزيز الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية. ثم جاءت قمة لشبونة في البرتغال في ديسمبر 2007 لتكون القمة الثانية بين الطرفين وكانت أهم انجازاتها اعتماد الاستراتيجية المشتركة بين أفريقيا والاتحاد الأوروبي، وهي أول إطار عمل طويل الأجل للتعاون، بالاضافة إلى إنشاء هيكل مؤسسي وآليات تمويل للإجراءات الرئيسية. وفي نوفمبر 2010 عقدت القمة في طرابلس بليبيا تحت عنوان "ربط الاتحاد الأوروبي بأفريقيا"، وركزت على النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وكان من أهم مخرجاتها اعتماد إعلان طرابلس، الذي تضمن خطة العمل الثانية (2011-2013) للاستراتيجية المشتركة بين أفريقيا والاتحاد الأوروبي، وتعزيز التعاون في ثمانية مجالات مواضيعية، بما في ذلك السلام والأمن والتنمية المستدامة، وايضا تم اعتمد الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي إعلانًا مشتركًا بشأن تغير المناخ لإعادة تأكيد التزامهما باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ وبروتوكول كيوتو ([1]).
كما عقدت القمة الرابعة في بروكسل عام في بروكسل في أبريل 2014 ([2])، تلا ذلك القمة الخامسة التي عقدت في ابيدجان بساحل العاج في نوفمبر 2017، بينما كانت القمة السادسة بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي في بروكسل ايضا وعقدت في فبراير 2022 والتي اعقبت تفشي فيروس كورونا لذلك كنا التركيز عى توفير اللقاحات وملق الصحة من أهم الملفات التي تم مناقشتها ، بالاضافة إل ملف الهجرة والتنقل، كجزء من رؤية مشتركة بين الطرفين لعام 2030. فقد التزم آنذاك الاتحاد الاوروبي بتوفير ما لا يقل عن 450 مليون جرعة من اللقاحات لأفريقيا ([3]).
ثانيا- أبرز تصريحات المشاركين في قمة لواندا:
ترأست أنجولا التي تتولى حاليا الرئاسة الدورية للاتحاد الافريقي أعمال القمة التي ناقشت عدد منالقضايا الهامة والمحورية في برنامج الشراكة بين الاتحاد الاوروبي والدول الافريقية. فقد كان الهدف المعلن من هذه القمة هو إحياء شراكة استراتيجية بين القارتين (أوروبا وأفريقيا)، في ظل سياق دولي يشهد أزمات متعددة الأبعاد، تشمل ظهور الصراعات مرة أخرى في عدد من المناطق الافريقية خاصة في الكونغو اديموقراطية بالاضافة إلى موجة الانقلابات العسكرية التي كان اخرها انقلاب غينيا بيساو، المعد له مسبقا، بالاضافة إلى الضغوط المالية المتزايدة على القادة الافارقة وما يتعلق بمشكلة الديون. وقد أنعكس ذلك في تصريحات القادة المشاركين.
قال جواو لورينسو، الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي – ورئيس أنجولا:
"إن أفضل ضمان لنجاح التعاون بين القارتين يكمن في الثقة التي تم بناؤها على مدى السنوات."
بينما قال محمود علي يوسف، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي – جيبوتي:
"تطمح القارة الإفريقية إلى إقامة سوق موحدة بقيمة 3,400 تريليون دولار، وتشهد حاليًا مرحلة تحول مهمة. .......، وقد بدأت منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAF) تأخذ منحاها بفضل مبادرة التجارة الموجهة التي تضم 27 دولة عضو."
في حين قال أنطونيو كوستا، رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي:
"هدفنا من هذه القمة التاريخية هو مواصلة شراكة قوية ومتوازنة وموجهة نحو المستقبل بين الاتحاد الأوروبي وإفريقيا. الاتحاد الأوروبي يظل شريكًا موثوقًا بالنسبة لإفريقيا. معًا، يمكننا مواجهة التحديات العالمية وخلق فرص مشتركة."
وأضاف قائلاً: "إن التحديات التي نواجهها حاليًا – مثل تغير المناخ، التحول الرقمي، الهجرة، والأمن – لا تعرف حدودًا..... إن أوروبا وإفريقيا مرتبطتان بشراكة فريدة – قوية، ديناميكية، ومصممة لمواجهة تحدياتنا المشتركة، مع تحقيق ازدهار جديد على كلا القارتين."
ثالثاً: المحاور الرئيسية التي تمت مناقشتها خلال القمة
خلال يومي القمة، ناقش القادة سبل تعزيز التعاون بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي في مجالات محورية، منها:
- السلام والأمن والحوكمة
- تعددية الأطراف الفعالة في إطار النظام الدولي
- الازدهار الاقتصادي
- الهجرة والتنقل
واعتمد القادة الأفارقة والأوروبيون بيانًا ختاميا مشتركًا ضم 49 نقطة رئيسية. وفيما يلي أبرز المحاور:
1- التعويضات عن الجرائم الاستعمارية (العدالة لأفريقيا)
ناقشت القمة مسألة التعويضات عن الجرائم الاستعمارية الأوروبية في إفريقيا. حيث أشار البيان الختامي إلى أن المشاركون يقرون بشعار الاتحاد الافريقي لعام 2025 وهو أن العقد المُقبل سيكون عقد "العدالة للأفارقة والمنحدرين من أصل أفريقي من خلال التعويضات". فقد وافق قادة الاتحاد الاوروبي لأول مرة نعلى إدراج هذا الملف ضمن الحوار المستقبلي بين الطرفين مما يعد تقدم ايجابي في هذا الشأن . كما نص البيان على الآتي "ندرك ونأسف بشدة للمعاناة التي لا تُوصف التي لحقت بملايين الرجال والنساء والأطفال نتيجة تجارة الرقيق والاستعمار والفصل العنصري. ونُؤكد دعمنا الكامل للمبادئ والعناصر الواردة في إعلان وبرنامج عمل ديربان. كما نُدرك أهمية الحوار الشامل لضمان الاعتراف بمساهمات وتجارب الأفارقة والمنحدرين من أصل أفريقي الراسخة، واحترامها، ودمجها بشكل هادف في صياغة علاقاتنا المستقبلية." ([4]). مما يوضح حرص الدول الأفريقية على وضع هذا الملف في صميم الحوار السياسي مع الاتحاد الاوروبي.
2- شراكة استراتيجية فريدة ومرنة
احتفل القادة الأفارقة والأوروبيون بشراكة استراتيجية تعززت على مدى السنوات من حيث المدى والطموح والأهمية السياسية، مستندة إلى روابط مؤسسية وتجارية واستثمارية وإنسانية قوية للغاية.
ويشير البيان الختامي إلى أن هذه الشراكة، القائمة منذ خمسة وعشرين عامًا، تتوافق مع أجندة 2063 للاتحاد الأفريقي، وأولويات الاتحاد الأوروبي الاستراتيجية، وأهداف التنمية المستدامة الواردة في أجندة 2030.
ويعد الاتحاد الأوروبي، وفقا للبيانات الرسمية، أكبر شريك تجاري وأكبر مستثمر في إفريقيا، فيما تُعَدّ إفريقيا رابع أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي. فقد ارتفعت واردات الاتحاد الأوروبي من إفريقيا بنسبة 37% خلال الفترة 2014-2024، ولكن تشكّل المواد الأولية 71% من الصادرات الإفريقية إلى الاتحاد الأوروبي، الوقود يمثل قرابة نصفها. كما يقدر حجم الاستثمارات التي تم ضخها في إطار مبادرة البوابة العالمية 80 مليار يورو ، و قدمت اوروبا 138مشروعًا رائدًا في مجالات الطاقة النظيفة، والتحوّل الرقمي، والبنى التحتية، و 239 مليار يورو من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الأوروبية و 1.2 مليار يورو وأكثر من 80 برنامجًا لدعم منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. وفي مجال البحث العلمي، خصص الاتحاد الاوروبي أكثرمن 3 مليارات يورو لشراكات البحث والابتكار منذ عام 2021 ([5]).
كما جدد الاتحاد الأوروبي دعمه لأولويات التنمية في إفريقيا، مع التأكيد على رغبته في وضع إطار طموح للشراكة لما بعد 2030. وتؤكد القارتان أن مستقبلهما المشترك »يرتكز على العمل الجماعي والتعاون في سياق جيوسياسي عالمي متزايد التعقيد وعدم الاستقرار. »
3- الدفاع عن نظام دولي متعدد الأطراف والحفاظ على مبادئ السيادة:
يشدد البيان المشترك على الدفاع عن نظام دولي قائم على القانون، والتعددية. وتؤكد إفريقيا وأوروبا التزامهما بمبدأ السيادة، والسلامة الإقليمية، والاستقلال السياسي، باعتبار هذه المبادئ غير قابلة للتفاوض كما دعت القارتان إلى إصلاح عميق للمؤسسات الدولية لمواجهة التحديات العالمية والإقليمية والوطنية بشكل أفضل.
4- تعزيز السلام والأمن والحوكمة
ركزت القمة بشكل خاص على السلام والأمن، مع تعزيز التعاون في مجال الوقاية من النزاعات وتحقيق الاستقرار الإقليمي، ودعم عمليات السلام في السودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وخليج غينيا بيساو، ومناطق أخرى تشهد أزمات.
كما أكد الاتحاد الاوروبي على استمرار الدعم العسكري والأمني الكبير المقدم من خلال مرفق السلام الأوروبي (EPF)، بما في ذلك مساهمة الاتحاد الأوروبي في عمليات دعم السلام الأفريقية.
5- إدارة ملف الهجرة
تم تناول مسألة الهجرة ضمن نهج شامل يجمع بين الوقاية من الهجرة غير النظامية، وتعزيز قدرات مراقبة الحدود، وتشجيع مسارات الهجرة القانونية، ودعم الأشخاص النازحين واللاجئين. وأقر الطرفان بالدور الحيوي للجاليات الإفريقية في التنمية، مع الالتزام بتسهيل مساهمتها الاقتصادية والاجتماعية.
6- مستقبل مستدام ومترابط
جدد القادة التزامهم بدعم التنمية المستدامة في إفريقيا من خلال مبادرات رئيسية، أبرزها حزمة الاستثمارمن خلال البوابة العالمية Global Gateway، التي أطلقت في 2021 بهدف تعبئة أكثر من 300 مليار يورو من الاستثمارات بحلول 2027، منها 150 مليارًا مخصصة للقارة الإفريقية.
كما ركزت القمة على التصنيع في القارة الافريقية، وتنويع الصادرات ودعم المصدرين من خلال معالجة التحديات التي تواجه المصدرين الأفارقة في إدارة مواردهم الطبيعية بشكل مستدام، بما في ذلك الصادرات القائمة على التنوع البيولوجي. ايضا ركزت القمة على تطوير سلاسل القيمة المضافة، لا سيما في القطاعات الاستراتيجية والمعادن الهامة . وأبرز الأولويات في هذا السياق مايلي:
- تحديث البنية التحتية للنقل والطاقة والرقمنة؛
- دعم متجدد لممر لوبيتو كرافعة رئيسية للربط والتكامل الاقتصادي الإقليمي؛
- تعميق برنامج تطوير البنى التحتية في إفريقيا (PIDA).
7- تعزيز منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، والتكيف المناخي:
اتفق الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي على تسريع تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAF)، وتعزيز الحوار حول الإجراءات التجارية الأوروبية مثل آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM) ولوائح مكافحة إزالة الغابات (EUDR).. كما اعترف الطرفان بالتحديات التي تفرضها التحولات البيئية على المصدرين الأفارقة، مع الالتزام بتقديم مزيد من الدعم الفني.
8- قضايا الديون والتمويل والإصلاحات الاقتصادية:
تمت مناقشة قضايا الدين العام وإعادة هيكلة الديون الافريقية في جلسات القمة. ففي البيان الختامي تمت الاشارة إلى أهمية الاعتراف بالجهود المالية التي تبذلها الدول الإفريقية، مع المطالبة بدعم إنشاء آليات إعادة هيكلة أسرع وأكثر شفافية.
9- الطاقة والتحول الرقمي والزراعة
اتفق الطرفان الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي على تسريع التحول الطاقي لضمان الوصول الشامل إلى طاقة نظيفة وموثوقة، ودعم مبادرة إفريقيا – الاتحاد الأوروبي للطاقة الخضراء لتوفير الكهرباء النظيفة لما لا يقل عن 100 مليون شخص في إفريقيا بحلول 2030. بالاضافة إلى دعم التحول الرقمي للقارة، لتقليص الفجوة الرقمية، وتطوير بيئات ابتكارية حول الذكاء الاصطناعي، مع تعزيز الزراعة المستدامة والمرنة لضمان الأمن الغذائي واستدامة النظم الزراعية.
10- الثقافة وحرية التنقل والشباب:
لقد أبرز البيان الختامي أيضا أهمية دور الثقافة في تعزيز السلام والتضامن؛ وحقوق الشباب والطلاب والباحثين في التنقل لتلقي العلم والعمل البحثي؛ مع الالتزام بتشجيع التبادل الثقافي، وجهود إعادة الممتلكات الثقافية.
في الختام، يظل التنفيذ على أرض الواقع لكل المخرجات التي تم الاتفاق عليها بين الطرفين والتي يمكن قياسها من خلال آليات التنفيذ التي تم وضعها ستكون الحافز الاساسي لتطور العلاقات الاوروبية الافريقية في ظل تنافس دولي قوي للتواجد في افريقيا بين القوى الدولية الكبرى والقوى الدولية الناشئة.
المراجع:
3- https://www.capmad.com/fr/diplomatie-fr/7eme-sommet-ue-ua-a-luanda-enjeux-pour-le-futur-partenariat/
https://francais.rt.com/afrique/127667-reparations-pour-passe-colonial-evoquees-sommet-ue-ua
[3] القمة السادسة للاتحاد الأوروبي - الاتحاد الأفريقي: رؤية مشتركة لعام 2030، موقع خدمات الدبلوماسية للاتحاد الافريقي (eeas)، https://shorturl.at/6HCSx
[4] 7 th African Union (AU) – European Union (EU) Summit Joint Declaration, P 9: https://au.int/sites/default/files/pressreleases/45706-pr-DOC-20251123-WA0026.pdf
